القرطبي
453
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( تثير الأرض ) " تثير " في موضع رفع على الصفة للبقرة أي هي بقرة لا ذلول مثيرة . قال الحسن : وكانت تلك البقرة وحشية ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث أي لا يسنى بها لسقي الزرع ولا يسقى عليها . والوقف ها هنا حسن . وقال قوم : " تثير " فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها وأنها كانت تحرث ولا تسقى . والوقف على هذا التأويل " لا ذلول " والقول الأول أصح لوجهين : أحدهما : ما ذكره النحاس عن علي بن سليمان أنه قال : لا يجوز أن يكون " تثير " مستأنفا ، لان بعده " ولا تسقي الحرث " ، فلو كان مستأنفا لما جمع بين الواو و " لا " . الثاني أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها ، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله : " لا ذلول " . قلت : ويحتمل أن تكون " تثير الأرض " في غير العمل مرحا ونشاطا ، كما قال أمرؤ القيس : يهيل ويذري تربه ويثيره * إثارة نباث ( 1 ) الهواجر مخمس فعلى هذا يكون " تثير " مستأنفا ، " ولا تسقي " معطوف عليه ، فتأمله . وإثارة الأرض : تحريكها وبحثها ، ومنه الحديث : ( أثيروا القرآن فإنه ( 2 ) علم الأولين والآخرين ) وفي رواية أخرى : ( من أراد العلم فليثور القرآن ) وقد تقدم ( 3 ) . وفي التنزيل : " وأثاروا الأرض " [ الروم : 9 ] أي قلبوها للزراعة . والحرث : ما حرث وزرع . وسيأتي . مسألة : في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته ، وإذا ضبط بالصفة وحصر بها جاز السلم فيه . وبه قال مالك وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي . وكذلك كل ما يضبط بالصفة ، لوصف الله تعالى البقرة في كتابه وصفا يقوم مقام التعيين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ) . أخرجه مسلم . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصفة تقوم مقام الرؤية ، وجعل صلى الله عليه وسلم دية الخطأ في ذمة من أوجبها عليه دينا إلى أجل ولم يجعلها على الحلول . وهو يرد قول
--> ( 1 ) قوله ( نبات الهواجر ) يعني الرجل الذي إذا اشتد عليه الحر هال التراب ليصل إلى ثراه . والعسر : صاحب الإبل التي ترد خمسا . ( 2 ) في نهاية ابن الأثير : ( فإن فيه ) . ( 3 ) راجع ص 449 .